11 سبتمبر 2026 | 29 ربيع الأول 1448
A+ A- A
خطبة الجمعة الموافق 11 / 9 / 2026م تربية الأولاد

خطبة الجمعة الموافق 11 / 9 / 2026م تربية الأولاد

10 سبتمبر 2026

خطبة الجمعة  

بتاريخ 29 من ربيع الأول 1448هـ الموافق 11/9/ 2026م

تَرْبِيَةُ الْأَوْلَادِ

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، أَدَّى الأَمَانَةَ، وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَجَاهَدَ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ، حَتَّى أَتَاهُ اليَقِينُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيرًا؛ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]  .

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

عِبَادَ اللهِ:

 إِنَّ الذُّرِّيَّةَ نِعْمَةٌ إِلَهِيَّةٌ، وَعَطِيَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ، يَمُنُّ اللَّهُ بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [النحل: 72] ، فَالْأَوْلَادُ زِينَةُ الْحَيَاةِ وَبَهْجَتُهَا، وَأَجَلُّ الْهِبَاتِ وَأَنْفَسُهَا، وَبِصَلَاحِهِمْ تَقَرُّ الْأَعْيُنُ، وَتَسْكُنُ النَّفْسُ، وَيَسْعَدُ الْفُؤَادُ، وَلِذَا كَانَ مِنْ دُعَاءِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74] ، فَمِنْ تَمَامِ تَوْفِيقِ اللَّهِ لِعَبْدِهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ صُلْبِهِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَرَى وَلَدَهُ يُصَلِّي أَمَامَ نَاظِرَيْهِ، وَيَتْلُو آيَاتِ الْقُرْآنِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَتَغْمُرُهُ السَّعَادَةُ، وَتَكْتَنِفُهُ الْبَهْجَةُ، فَصَلَاحُ الْأَوْلَادِ مَطْلَبٌ عَزِيزٌ، وَتَوْفِيقٌ مِنَ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:

إِنَّ تَرْبِيَةَ الْأَوْلَادِ مَسْؤُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَمُهِمَّةٌ جَسِيمَةٌ، ولَا سِيَّمَا فِي ظِلِّ هَذِهِ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي نَعِيشُهَا فِي عَصْرِنَا الْحَدِيثِ، فَالتَّرْبِيَةُ الصَّالِحَةُ تَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ وَحِكْمَةٍ، وَرَزَانَةٍ وَحُنْكَةٍ، وَلَمْ تَعُدْ تَرْبِيَةُ الْأَبْنَاءِ الْيَوْمَ كَمَا كَانَتْ بِالْأَمْسِ، فَقَدْ تَغَيَّرَتِ الْوَسَائِلُ، وَتَعَدَّدَتِ الْمُؤَثِّرَاتُ، وَتَسَارَعَتِ التَّحَدِّيَاتُ، وَأَصْبَحَ الِابْنُ يَعِيشُ فِي عَالَمٍ مَفْتُوحٍ، يَسْمَعُ وَيَرَى وَيَتَأَثَّرُ مِنْ هَذِهِ الْوَسَائِلِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْمَعُ مِنْ وَالِدَيْهِ، أَوْ يَتَلَقَّى مِنْ مُرَبِّيهِ، فَتَرْبِيَةُ الْيَوْمِ جِهَادٌ يَوْمِيٌّ، وَصَبْرٌ دَؤُوبٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التَّحْرِيم:6]، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَيْ مُرُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَا تَدَعُوهُمْ هَمَلًا، فَتَأْكُلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

أَيُّهَا الْمُبَارَكُونَ:

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ عَلَى تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ فِي زَمَنِ التَّحَدِّيَاتِ: غَرْسَ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِمْ، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا امْتَلَأَ بِالْإِيمَانِ اسْتَقَامَتِ الْجَوَارِحُ، وَتَهَذَّبَ السُّلُوكُ، وَاسْتَشْعَرَ الِابْنُ حِسَّ الْمُرَاقَبَةِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلَى الطَّرِيقَةِ وَلَوْ غَابَ الرَّقِيبُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ. [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ].

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:

إِنَّ مِنَ الْوَسَائِلِ الْمُفِيدَةِ فِي تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ وَالْبَنَاتِ: التَّرْبِيَةَ الْمُبَكِّرَةَ عَلَى امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ، وَالِابْتِعَادِ عَنِ النَّوَاهِي وَالزَّوَاجِرِ، قَالَ تَعَالَى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132] وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ عَبْدِهِ لُقْمَانَ يُوصِي ابْنَهُ وَفِلْذَةَ كَبِدِهِ : {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ" [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ]. بَلْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُولِي الصِّغَارَ عِنَايَةً خَاصَّةً وَيَتَفَقَّدُ أَحْوَالَهُمْ، فَمَنْهَجُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ كَانَ قَائِمًا عَلَى التَّرْبِيَةِ بِالِاهْتِمَامِ وَالسُّؤَالِ بِرِفْقٍ وَرَحْمَةٍ، فَقَدْ كَانَ يَسْأَلُ عَنْ صَلَاةِ الصَّغِيرِ لِيُشْعِرَهُ بِأَهَمِّيَّتِهَا، وَيُعَوِّدَهُ عَلَيْهَا، وَيُنْشِئَهُ عَلَى صِلَتِهِ بِاللَّهِ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا أَمْسَى، فَقَالَ: "أَصَلَّى الْغُلَامُ؟" قَالُوا: نَعَمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ. وَلَمْ تَقْتَصِرْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ بَلِ امْتَدَّتْ إِلَى دَقَائِقِ الْآدَابِ وَالسُّلُوكِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهَا، فَعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

إِنَّ مِنْ أَكْثَرِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَفْسَدَتِ التَّرْبِيَةَ فِي زَمَانِنَا قَوْلَ الْقَائِلِ: "دَعْهُ فَإِنَّهُ صَغِيرٌ"، كَلِمَةٌ تُبَرِّرُ الْأَخْطَاءَ، وَتُطْفِئُ نُورَ التَّوْجِيهِ، وَتَفْتَحُ بَابَ التَّسَاهُلِ، فَيَفْعَلُ الِابْنُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَفْعَالِ وَلَا يُثَرَّبُ عَلَيْهِ، وَتَلْبَسُ الْبِنْتُ مَا شَاءَتْ مِنَ اللِّبَاسِ وَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهَا، حَتَّى يَنْشَأَ الْجِيلُ عَلَى الْخَطَإِ، وَيَعْتَادَ الْإِهْمَالَ، وَلَا يَكْتَرِثُ بِمَا يُقَالُ، وَمَنْ أُحْسِنَ غَرْسُهُ فِي الصِّغَرِ، أَزْهَرَتْ حَيَاتُهُ فِي الْكِبَرِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كِخْ كِخْ»، لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: )فَمَنْ أَهْمَلَ تَعْلِيمَ وَلَدِهِ مَا يَنْفَعُهُ، وَتَرَكَهُ سُدًى فَقَدْ أَسَاءَ إِلَيْهِ غَايَةَ الْإِسَاءَةِ، وَأَكْثَرُ الْأَوْلَادِ إِنَّمَا جَاءَ فَسَادُهُمْ مِنْ قِبَلِ الْآبَاءِ وَإِهْمَالِهِمْ لَهُمْ، وَتَرْكِ تَعْلِيمِهِمْ فَرَائِضَ الدِّينِ وَسُنَنَهُ فَأَضَاعُوهُمْ صِغَارًا، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِأَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَنْفَعُوا آبَاءَهُمْ كِبَارًا).

هِيَ الْأَخْلَاقُ تَنْبُتُ كَالنَّبَاتِ … إِذَا سُقِيَتْ بِمَاءِ الْمَكْرُمَاتِ
تَقُومُ إِذَا تَعَهَّدَهَا الْمُرَبِّي … عَلَى سَاقِ الْفَضِيلَةِ مُثْمِرَاتِ

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الدَّاعِي إلَى رِضْوَانِهِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى مِنْوَالِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ  عِبَادَ اللَّهِ  حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.

أَيُّهَا الْـمُسْلِمُونَ:

إِنَّ مِنَ الْوَسَائِلِ الْمُعِينَةِ فِي التَّرْبِيَةِ: الْقُدْوَةَ الْحَسَنَةَ، فَهِيَ تَرْبِيَةٌ بِلَا حَرْفٍ، تَعْمَلُ عَمَلَهَا فِي نُفُوسِ الْأَوْلَادِ بِصَمْتٍ، فَيَنْشَأُ الطِّفْلُ مُتَأَثِّرًا بِمَا يَرَى مِنْ خُلُقٍ قَوِيمٍ، وَأُنْمُوذَجٍ سَلِيمٍ، وَلِذَا فَإِنَّ أَخْطَرَ مَا يَجْلِبُ الِانْحِرَافَ وَالِاضْطِرَابَ فِي سُلُوكِ الطِّفْلِ: مَا يَرَاهُ مِنْ تَنَافُرٍ بَيْنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاقْتِدَاءِ بِمَنْ سَبَقَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، قَالَ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] ، وَأَرْشَدَ الْأُمَّةَ إِلَى التَّأَسِّي بِرَسُولِهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وُجُودَ الْأُسْوَةِ الْحَسَنَةِ رَكِيزَةٌ مِنْ رَكَائِزِ بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ، وَسَبَبٌ رَئِيسٌ فِي تَنْشِئَةِ أَفْرَادٍ صَالِحِينَ يَنْتَفِعُ بِهِمْ مَنْ حَوْلَهُمْ.

أَيُّهَا الْمُبَارَكُونَ:

أَلَا وَإِنَّ مِنْ أَنْجَعِ وَسَائِلِ التَّرْبِيَةِ: الْمُتَابَعَةَ الْوَاعِيَةَ لِاهْتِمَامَاتِ الْأَبْنَاءِ، وَفَهْمَ مَا يَشْغَلُ عُقُولَهُمْ، وَفَتْحَ بَابِ الْحِوَارِ مَعَهُمْ، حَتَّى تَزُولَ الْحَوَاجِزُ، وَيَشْعُرُوا بِالْأَمَانِ عِنْدَ الْحَدِيثِ وَالْمُنَاقَشَةِ، فَيُصْبِحُ الْوَالِدُ أَوِ الْوَالِدَةُ وَلِيَّ أَمْرٍ فِي صُورَةِ صَدِيقٍ، وَمَسْؤُولًا فِي ثَوْبِ رَفِيقٍ، قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْهَيْبَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَبَيْنَ التَّوْجِيهِ وَالِاحْتِوَاءِ، تَأَمَّلْ هَذَا الْحِوَارَ الَّذِي دَارَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102] ، وَلَمَّا رَأَى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تِلْكَ الرُّؤْيَا لَمْ يُفْضِ بِسَرِيرَتِهِ إِلَّا لِأَبِيهِ، فَالْأَسْرَارُ إِنَّمَا تُودَعُ لِمَنْ تَطْمَئِنُّ بَيْنَ يَدَيْهِ  {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] .

لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنْ انْتَهَى أَبَوَاهُ مِنْ     هَمِّ الْحَيَاةِ وَخَلَّفَاهُ ذَلِيلَا
إِنَّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَلْقَى لَهُ           أُمًّا تَخَلَّتْ أَوْ أَبًا مَشْغُولَا

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ؛ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، رَبَّنَا ارْفَعْ عَنَّا الْبَلَاءَ وَالْوَبَاءَ، وَالضَّرَّاءَ وَالْبَأْسَاءَ، وَأَدِمْ عَلَيْنَا النِّعَمَ، وَادْفَعْ عَنَّا النِّقَمَ، وَزَكِّ نُفُوسَنَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ.

لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة

معرض الصور

القائمة البريدية

انضم للقائمة البريدية للموقع ليصلك كل جديد

جميع الحقوق محفوظه لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - دولة الكويت